
المطاعم الاميركية في الصين مأدبة متحركة وتطبيع للطعام
مروة كريدية من شنغهاي
لا شك في الطعام أحد المكونّات المهمة في حضارات الشعوب إذ أنها تعكس إلى حدٍّ كبير الطبيعة الجغرافية و المكونات الزراعية للأرض ، وفي زمن كانت وسائل الاتصال والانتقال بدائية كان من الصعب نقل الخضروات واللحوم من أمكنة بعيدة مع ما يستوجب من ضرورات لحفظها على عكس التوابل التي كان التجار القدماء ينقلونها من بلد لآخر للاتجار بها، ومع تطورالحياة وتداخل الحضارات وتلاقي الثقافات بفعل عوامل الاتصال البشري السريع في عصر شهد أضخم طفرة اتصالات أمسى من السهل على الفرد التعرف على شتى المكونات الثقافية للشعوب بما فيها الطعام .

وفي أمبرطورية تاريخية شهدت واحدة من أعظم الحضارات في العالم تولى زمام أمرها السياسي واحد من أشد الرجال بأسًا في السياسة "ماو تسي تونغ" الذي تبنى خطًّا شيوعيًا حازمًا فرض على البلاد نوعًا من الابتعاد "الحضاري"، حيث فضَّل التنين الصيني أن يكون مناوءًا شرسًا للتيارات الرأسمالية في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية طيلة عقودٍ طويلة .

ومع بزوغ الالفية الثالثة التي شهدت انفتاحا أكبر في كلّ الدول المصنفة يسارية أخذت المطاعم الاميركية تزيد من انتشارها في دولة يقطنها 1.3 مليار نسمة وهي كافية لأن تكون سوقًا ضخمة لاستهلاك الوجبات السريعة.

وخلال التجوال في شوارع الصين يسترعي انتباه الزائر انتشار البضائع والمطاعم الاميركية التي تشهد ازدحامًا ملحوظًا و سيطرة عمالقة هذا المضمار مثل سلسلة "ماكدونالدز" و"KFC" و"بيتزا هت" و "كوكا كولا" على هذه السوق.
وبحسب تقارير مجموعة "يورومونيتور إنترناشونال" التي تضم خبراء في صناعة المأكولات السريعة، فإنها تتوقع أن يصل حجم مبيعات المأكولات السريعة في الصين 52 مليار دولار بحلول العام الجاري، بارتفاع قدره 16 في المائة عن العام الفائت.

و كانت سلسلة المطاعم الأمريكية السريعة قد نجحت في اختراق السوق الصينية بتقديم أطباق تقليدية تحمل مذاقات صينية حيث ان برغر الدجاج يقدم على طريقة سيشوان الصينية ، كما أن كنتاكي يقدم أنواعًا خاصة من تتبيلات الدجاج التقليدية بما يلائم الثقافة المحلية وان كانت تقدم بطبق أمريكي فهي تقدم بالاضافة الى الدجاج المقلي، بط مقلي، وسلطة من نباتات قاع البحر.
لقد كان الكاتب الاجتماعي كينيث كيبيل مُحِقًّا عندما أشار الى عولمة الهمبرغر في كتابه "مأدبة متحركة: عشرة آلاف سنة من عولمة الطعام"
الذي أشار الى ان شركات الطعام لا تكتفي بنقل اكل شعب الى شعب آخر، بل تحاول تطبيعه عندما لا يرتاح له الشعب الآخر.
فيما كتب جول باكان ، مؤلف كتاب "كوربوريشن" الشركة ان انتشار المطاعم الاميركية في دول كثيرة لا يختلف عن انتشار السيارات، والافلام، والمسلسلات، والقمصان، والجينز، والاحذية الاميركية, ولا عن انتشار اللكنة والتعابير الاميركية و لا عن انتشار كمبيوتر "مايكروسوفت"، مشبهًا ذلك بأجزاء منpackage deal (صفقة واحدة)، فيها الحسن والسيء، والمفيد والمؤذي، والخير والشر.
لقد استطاعت المطاعم الاميركية ان تخترق التنين الصيني بجدارة وهذا خير دليل على ان الثقافة تحقق دوما ما تعجز السياسة عن تحقيقه، ولعل الطعام يجمع ما فرقه الساسة !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
ايلاف ديجيتال - elaph digilal magazine,
تحقيقات - reports - reportages,
تقارير اخبارية - rapport - raport,
تقارير من الصين - reports from china,
حضارات -Civilizations -,
عولمة - globalisation,
مقالات مروة كريدية في موقع إيلاف- elaph -marwa kreidieh articles |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج